نخبة من الأكاديميين

106

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

خاتمة في هذه الدراسة الموجزة حاولنا تتبع الخطوط عامة للتطور التاريخي في صورة الآخر لدى كل من العالمين : الأوروبي الكاثوليكي ، العربي الإسلامي طوال الفترة التي امتدت من القرن الهجري الأول / السابع الميلادي ، الذي شهد بداية حركة الفتوح الإسلامية وتكوين ذلك الكيان السياسي والاقتصادي والثقافي الضخم الذي عرفه مؤرخو الحضارات باسم الحضارة الإسلامية العربية ، أو العربية الإسلامية ، وحتى القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي الذي شهد بسط السيادة العثمانية على المنطقة وقيام الدولة العثمانية بدور « الآخر » المسلم ، بديلًا عن القوى الإسلامية في حوض المتوسط وفي الأندلس التي اضطلعت بهذا الدور في الرؤية الأوروبية طوال القرون السابقة . ويلفت النظر في هذه الدراسة ذلك الفارق بين موقف القوى الأوروبية المتوسطية من ظهور الإسلام وانتصاره ، ثم بروز العالم الإسلامي قوة عالمية عظمى على الأصعدة السياسية ، والعسكرية ، والاقتصادية ، والعلمية والفكرية كافة ، وهيمنة القوى الإسلامية على البحر المتوسط من ناحية ، وبين موقف القوى الأوروبية الغربية والشمالية « البعيدة » ، من الإسلام في الفترة السابقة على عصر الحروب الصليبية من ناحية أخرى . كما يلفت النظر أن موقف المسلمين من أوروبا الغربية كان تابعا من موقف القوة المتعالية تجاه أوروبا التي كانت في ذلك الحين مجرد تعبير جغرافي ، ومجموعة من القوى السياسية البدائية تحت حكم قادة الشعوب الجرمانية التي اجتاحت أوروبا في ما بين القرن الخامس والقرن السابع الميلاديين . ولم يكن المسلمون - على الرغم من وجودهم في الأندلس وجزر البحر المتوسط وصقلية وجنوب إيطاليا - يرون فائدة من « معرفة » الآخر الأوروبي الذي لم يكن لديه ما يقدمه للعالم الإسلامي الغني والقوي . في تلك الفترة كان « بُعد » المسلمين عن أوروبا الغربية والشمالية ، بعد هزيمتهم في معركة بلاط الشهداء ( تور - بواتييه ) على يدي شارل مارتل الملك الفرنجي ، و « بُعْد » أوروبا عن حركة التجارة فوق مياه البحر المتوسط ، أو على طرق التجارة ، كما عدم إحساس أوروبا الغربية والشمالية بأن الإسلام يمثل تهديدًا وشيكاً ، كان ذلك كله وراء تلك الصورة التي ارتسمت في مخيلة أبناء هذه المناطق عن الإسلام وعن المسلمين ؛ وهي صورة جمعت بين الجهل والخيال الشرير . فقد اخترعوا صورة « الآخر » المسلم التي تناسب عقول رجال الكنيسة الذين كانوا هم مثقفي ذلك الزمان في أوروبا ، والذين كانوا يرون في محاولة معرفة المسلمين ودينهم نوعًا من الدنس الذي لا ينبغي لهم أن يقعوا فيه . وربما لا نجد واحداً من كتاب تلك الفترة « يعرف » ، أو « يحاول أن يعرف » شيئًا عن هذا الآخر الذي كان جاراً قوياً محسوداً ومخيفاً . وبينما لم يكن في التراث الثقافي للغرب الأوروبي شيء يمكن أن يساعده على فهم الإسلام ، فإن المسلمين كانت لديهم ميزة المعرفة السابقة بالمسيحية . فقد تحدث القرآن الكريم بقدر كبير من الاحترام عن عيسى بن مريم باعتباره نبيًا من أنبياء الله ، ولد بمعجزة ربانية من رحم مريم العذراء التي فضلها الله